احتدام النزاع على كنوز قرية سبسطية الفلسطينية

قرية سبسطية الفلسطينية في الضفة الغربية.
قرية سبسطية الفلسطينية في الضفة الغربية.

شهدت هذه القرية بالضفة الغربية منذ وقت طويل نزاعا على كنوزها الأثرية مثل مواقع السامرة التوراتية ومكتشفات من الحقبة الرومانية. المؤرخ جوزيف كرواتورو يروي لموقع قنطرة تفاصيل تصعيد متفاقم.

الكاتبة ، الكاتب: Joseph Croitoru

يربط الإسرائيليون وبصورة خاصة أعضاء الحكومة الإسرائيلية اليمينية قرية سبسطية الفلسطينية في المقام الأوَّل بمدينة السامرة التوراتية. وهذه الحكومة لا ترفض فقط مطالبة الفلسطينيين -الذين يعيشون هناك منذ قرون طويلة- بالتراث الثقافي في قريتهم هذه، بل تريد أيضًا تغيير هذا الموقع الأثري وفقًا لأفكارها الخاصة.

وسبسطية قرية فلسطينية صغيرة تقع شمال غرب مدينة نابلس وتخفي تحت ترابها كنوزًا ثقافية مهمة. إذ توجد في جهتها الغربية بقايا أثرية لقصر من العصر العموري الإسرائيلي وكنيسة بيزنطية يُعتقد أنَّها موقع دفن يوحنا المعمدان. وفيها أيضًا العديد من الاكتشافات من الحقبة الرومانية - من بينها معبد أغسطس وميدان سباق ومسرح وأعمدة كاتدرائية.

وتنظر حاليًا منظمة اليونسكو في الاعتراف بهذا الموقع الأثري كواحد من مواقع التراث العالمي. وهذا الموقع يقع ضمن المنطقة "ج" التي تحتلها إسرائيل وتفرض عليها سيطرة تامة في الضفة الغربية.

ولكن لا يمكن الوصول إلى الموقع إلَّا عبر طريق وصول وموقف سيَّارات كبير يقع ضمن المنطقة "ب" الخاضعة للإدارة الفلسطينية. وعندما يزور الموقع سيَّاح إسرائيليون -معظمهم من المستوطنات- يكون الجيش مرافقًا لهم. وعندئذ يتحتَّم على الزوَّار القادمين من الجانب الفلسطيني أن يفسحوا المجال للمستوطنين. تزداد مقاومة هذا الوضع من الجانب الفلسطيني، وهذا يؤدِّي على نحو متزايد إلى اشتباكات بين الفلسطينيين والجنود الإسرائيليين.

موقع في طريقه إلى لائحة اليونسكو لمواقع التراث العالمي

ومن الجدير بالذكر أنَّ المستوطنين المتطرِّفين اتهموا الفلسطينيين مؤخرًا بتخريب الكنوز الأثرية في الموقع عن عمد. وعلى الرغم من أنَّ الأدلة على ذلك مشكوك فيها إلى أبعد حدّ إلَّا أنَّ الحكومة الإسرائيلية اليمينية المتطرِّفة الجديدة تُصدِّق ذلك وبكلِّ سرور.

 

1/2EU and like-minded visited the Palestinian town of Sebastia and its ancient archeological site. Interlocutors, including the mayor, briefed on the Palestinian cultural heritage of the site and the village’s conservation efforts. pic.twitter.com/Bo5ZHko4tK

— EU and Palestinians (@EUpalestinians) May 24, 2023

 

 

وكذلك وجَّه عميحاي إلياهو -وهو وزير التراث القومي من حزب "القوة اليهودية" اليميني المتطرِّف- اتهامات خطيرة للفلسطينيين أثناء زيارته الموقع قبل فترة قصيرة بقوله: "الناس هنا يحاولون إبادة الشعب اليهودي برمَّته. ويسعون إلى محو تاريخ شعب إسرائيل. ونحن لن نقبل ذلك".

وفي الواقع أعلن الإسرائيليون قبل عدة سنين عن تحويل هذا الموقع الأثري إلى حديقة وطنية وأطلقوا عليها اسم مدينة السامرة القديمة (بالعبرية: شُمرون) - التي يُقال إنَّها شُيِّدت في القرن التاسع قبل الميلاد من قِبَل الملكين التوراتيين الملك آخاب وأبيه الملك عمري ملكي مملكة إسرائيل الشمالية. ولكن في الواقع دمَّر الغزاة الآشوريون مدينة السامرة بعد عقود قليلة فقط من تأسيسها.

أمَّا الفلسطينيون -الذين يعتبرون أنفسهم سكَّان المنطقة الأصليين- فيطالبون بهذا الموقع باعتباره ملكًا لهم ويطلقون عليه اسم سبسطية - وهو اسم المدينة التي بناها الملك هيرودِس هنا بعد بضعة قرون فقط من دمار السامرة. وكذلك يروِّج الفلسطينيون لبلدة سبسطية كواحدة من أهم المواقع الأثرية في الأراضي الفلسطينية.

ويعرض المتحف الذي تم افتتاحه في القرية في عام 2017 اكتشافات أثرية يعود معظمها إلى أعمال التنقيب في هذا الموقع. ويمنع الإسرائيليون بشكل مُمَنهَج علماءَ الآثار الفلسطينيين من القيام بأعمال تنقيب بحثية سواء في هذا الموقع أو في قرية سبسطية نفسها.

رئيس البلدية في موقف دفاعي

وفي المقابل أقرَّت الحكومة الإسرائيلية مؤخرًا تخصيص نحو تسعة ملايين يورو لمشروع يهدف إلى تطوير هذا الموقع الأثري. ومن جانبهم يرى الفلسطينيون أنَّ هذا المشروع يشكِّل تهديدًا لتراثهم الثقافي.

وضمن هذا السياق، استنكر رئيس بلدية سبسطية محمد عازم في حديث لإذاعة "حياة" المحلية "المشروع التهويدي" الذي أطلقته سلطات الاحتلال -كما جاء في تعبيره- ويهدف وفق قوله إلى فرض سيطرتها الكاملة على هذه المنطقة الأثرية التي: "يجب أن تكون مفتوحةً للزوَّار من كلِّ أنحاء العالم. المناطق السياحية يجب أن تكون متاحة أمام كلِّ العالم أمَّا أن تكون فقط متاحة للمستوطنين فيعني ذلك أنَّ هناك تطوُّرًا خطيرًا؛ يسعى الاحتلال من خلال هذا المشروع إلى فرض واقع جديد على بلدة سبسطية".

ويقول إنَّ "الاحتلال يريد تسييج المنطقة بشكل كامل وفتح شارع اِلتفافي داخل المنطقة الأثرية وربط هذا الشارع مع الشارع الرئيسي الرابط ما بين نابلس وجنين وربطه أيضًا مع مغتصبة شافي شُمرون الإسرائيلية"، كما قال. ويخشى محمد عازم من أنَّ "المرحلة الثالثة من هذا المشروع هي القيام بأعمال تنقيب في المنطقة بحجة البحث عن قبور أجدادهم كما يدَّعون"، وفق قوله.

 

منظر قرية سبسطية الفلسطينية في الضفة الغربية. Blick auf das Dorf Sebtasia; Foto: AFP
منظر قرية سبسطية الفلسطينية: أقرَّت الحكومة الإسرائيلية مؤخرًا تخصيص نحو تسعة ملايين يورو لمشروع يهدف إلى تطوير هذا الموقع الأثري. ومن جانبهم يرى الفلسطينيون أنَّ هذا المشروع يشكِّل تهديدًا لتراثهم الثقافي. انضم قبل فترة قصيرة وفد صغير من دبلوماسيي الاتحاد الأوروبي إلى احتجاجات الفلسطينيين على المشروع الإسرائيلي المخطط إنجازه في سبسطية وزاروا الموقع الأثري. وقد شدَّد ممثِّل الاتحاد الأوروبي في الأراضي الفلسطينية الدبلوماسي الألماني سفين فون بورغسدورف في تصريحه على أنَّ هذه المنطقة وكنوزها الثقافية هي مُلك الفلسطينيين وحدهم.

 

وقد انضم قبل فترة قصيرة وفد صغير من دبلوماسيي الاتحاد الأوروبي إلى احتجاجات الفلسطينيين على المشروع الإسرائيلي المخطط إنجازه في سبسطية وزاروا الموقع الأثري. وقد شدَّد ممثِّل الاتحاد الأوروبي في الأراضي الفلسطينية الدبلوماسي الألماني سفين فون بورغسدورف في تصريحه على أنَّ هذه المنطقة وكنوزها الثقافية هي مُلك الفلسطينيين وحدهم. وعلى الرغم من ترحيب رئيس البلدية محمد عازم بمثل هذه الإشارات ولكنه يشك في أنَّها تؤثِّر على الإسرائيليين.

وهو يريد محاولة البدء بإجراءات قانونية لمواجهة خطط الاحتلال مستندًا في ذلك إلى حقيقة أنَّ ملكية هذه الأراضي تعود  للأهالي القرويين فقط وأنَّها مُثبتة في سجلات الأراضي القديمة. ويأمل السيِّد محمد عازم في أن يؤدِّي ذلك على الأقل إلى تأخير أعمال البناء المنتظرة.

 

 

جوزيف كرواتورو (يوزيف كرويتورو)

ترجمة: رائد الباش

حقوق النشر: موقع قنطرة 2023

ar.Qantara.de